مجمع البحوث الاسلامية

603

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أخرى ، كما وصفنا في حال المتجسّس ، ثمّ يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه . وإذ قد اعتبر النّهي عن التّجسّس من فروع النّهي عن الظّنّ ، فهو مقيّد بالتّجسّس الّذي هو إثم أو يفضي إلى الإثم ، وإذا علم أنّه يترتّب عليه مفسدة عامّة صار التّجسّس كبيرة . ومنه التّجسّس على المسلمين لمن يبتغي الضّرّبهم . فالمنهيّ عنه هو التّجسّس الّذي لا ينجرّ منه نفع للمسلمين أو دفع ضرّ عنهم ، فلا يشمل التّجسّس على الأعداء ، ولا تجسّس الشّرطة على الجناة واللّصوص . ( 26 : 211 ) فضل اللّه : وَلا تَجَسَّسُوا بالبحث عن أسرار الآخرين الخفيّة ، ممّا لا يريدون إطّلاع النّاس عليه من قضاياهم الذّاتيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو العسكريّة وغير ذلك ، لأنّ اللّه أعطى الحياة الخاصّة حرمة شرعيّة لم يجز للغير اقتحامها ، وجعل للإنسان الحقّ في منع غيره من الاعتداء أو التّلصّص عليها بأيّة وسيلة من وسائل المعرفة الظّاهرة أو الخفيّة . وقد يكون من الضّرورة التّنبيه على أنّ هذا المبدأ الاجتماعيّ لا يشمل الحالات الّتي تمسّ فيها المصلحة العليا للإسلام والمسلمين ، والّتي قد تستدعي الاطّلاع على بعض الأوضاع الخفيّة للأشخاص والمواقع والأحداث المتعلّقة بالآخرين ، ممّا يخاف ضرره ، أو يراد نفعه ، أو يركّز قاعدته ، فيجوز لوليّ أمر المسلمين اللّجوء إلى هذا الأسلوب في نطاق الضّرورة الأمنيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة ، انطلاقا من قاعدة التّزاحم بين المهمّ والأهمّ ، لتغليب المصلحة الّتي تقف في مستوى الأهمّيّة القصوى على المفسدة النّاشئة من التّجسّس ، فإنّ حرمة المسلمين تتقدّم على حرمة الشّخص أو الأشخاص ، في ذلك كلّه . ( 21 : 153 ) مكارم الشّيرازيّ : والتّجسّس والتّحسّس كلاهما بمعنى البحث والتّقصّي ، إلّا أنّ الكلمة الأولى غالبا ما تستعمل في البحث عن الأمور غير المطلوبة ، والكلمة الثّانية على العكس فهي تستعمل في البحث عن الأمور المطلوبة أو المحبوبة ، ومنه ما ورد على لسان يعقوب في وصيّته ولده يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ يوسف : 87 . وفي الحقيقة أنّ سوء الظّنّ باعث على التّجسّس ، والتّجسّس باعث على كشف الأسرار وما خفي من أمور النّاس ، والإسلام لا يبيح أبدا كشف أسرار النّاس . وبتعبير آخر : أنّ الإسلام يريد أن يكون النّاس في حياتهم الخاصّة آمنين من كلّ الجهات ، وبديهيّ أنّه لو سمع الإسلام لكلّ أحد أن يتجسّس على الآخرين ، فإنّ ماء وجوه النّاس وحيثيّاتهم تمضي مع الرّيح ، وتنشأ « حياة جهنّميّة » يعذّب فيها جميع أفراد المجتمع . وبالطّبع فإنّ هذا الأمر لا ينافي وجود أجهزة « مخابرات » في الحكومة الإسلاميّة لمواجهة المؤامرات . ولكن هذا لا يعني أنّ لهذه الأجهزة حقّ التّجسّس في حياة النّاس الخاصّة ، كما سنبيّن ذلك بإذن اللّه فيما بعد . وأخيرا فإنّ الآية تضيف في آخر هذه الأوامر والتّعليمات ما هو في الحقيقة نتيجة عن الآمرين السّابقين ومعلولهما ، فتقول : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً .